خاص.. بقلم ثامر شاكر :أيها الصامت فينا !!

 

أيها الصامت فينا!!

‫يستهويني ذلك الصامت.. الذي يجلس وسط الضوضاء، ولا تستثيرهُ أضواء الثرثرة ولا يُغريه إعجاب الحضور.. لا ينجرف؛ كي يثبت وجودهُ بصراخٍ كاذب!!‬
‫وكأنه شبح!! صامتٌ أغلب الوقت، حتى نظراته لا تُوحي بأنه يقتفي أثرًا ما؛ وكأنه غريبٌ لا يأبه بالبُعد، أو ربما مسافرٌ استسلم لتيهٍ ساحر.. ضيفٌ رزين، لا يكترث بالحوارات التي تمتلئ بها الزوايا، وتتهافت عليها الألسن في سجالٍ لا ينتهي، طمعًا في نظرة إعجاب أو تصفيق مدوٍّ!! كنتُ أراقبه، وأتساءل عن معنى ذلك الصمت المُطبق.. صمتٍ يصل إلى حالة الجمود.‬
‫وكان ذلك يُثير فضولي، فأقتربُ منه لأُحاول أن أسمع ما لا يقوله، وأن أعرف ما يدور في خبايا نفسه، بعدما رحلَ عنه الجميع، ومن ذا الذي يستهويه قربه؟!! بيد أن ثمة أمرًا كان ملفتًا.. تلك الابتسامة المختلفة، التي تمتلئ ثقةً وبوحًا، وكأنه يعرف أن ابتسامته ستفرض حضورهُ رغمًا عن صمته وغيابه!! كان وكأنه يعيش وحيدًا في برجه البعيد، وكنتُ أتساءل عن سبب حضوره في كل مرة، وحاله لا يتغير.. وعرفتُ أن جميعهم متشابهون، وكأنهم صورة طبق الأصل.. يُلبون المناسبات الاجتماعية، حاملين معهم أدواتهم الخاصة لاستكشاف أمرٍ ما، في نظرتهم ما هو أعمق وأثمن.. يُفتشون عن قصة، عن تجربة، عن سرّ مدفون هنا أو هناك، أو ربما هروب من عالمٍ ما!!‬
‫ولقد عرفتُ من خلال محاولاتي تلك كنوزًا من النوابغ.. بعد أن كسرت ذلك الحاجز، واقتربت محاولًا اقتحام عزلتهم التي يتقنونها وسط الحضور في زهوٍ وفخرٍ مُثيرين. بل إني لُمتُ نفسي بعد أن أدركتُ أني تأخرتُ كثيرًا في ممارسة “نكش” أمثال هؤلاء؛ لتُصبح مع مرور الوقت هواية.. وهواية مُجدية وثمينة جدًّا..‬
‫وبقيتُ أراقب كل واحدٍ منهم، كيف يتحاور بالهمس، وكيف يقضي وقته وحيدًا ولا يقترب منه أحد، وما جدوى القُرب من شخصية لن تقول لك شيئًا، لن تحكي لك عن مغامرة مثيرة، أو تفشي سِرًّا مهيبًا، أو تلقي نكتة فاحشة، أو تتباهى بمغامرة كاذبة أو تسرد معلومة أسطورية مُلفقة لا يعرفها سواه.. الصامت لا يمنح الآخرين شهية الانتصار في معارك سطحية بائسة. تلك اللذة الكاذبة، ولا يُشد إليه الرحال، ولا ينتمي إلى شِلة تهبه العزوة والمجد الزائل.‬
‫واقتربت منه أكثر متلهفًا أن أعرف ما يسكن خلف تلك الأسوار الشاهقة.. نجحتُ مرارًا، وفُتح الباب على مصراعيه، ولا أعلم تحديدًا أهو من فتح الباب، أم أنني أنا من اقتلعه من مكانه، لأرغمه على الانصياع إلى فضولي وإلحاحي المستمر.. وحين كان يبدأ الحوار، كنتُ كالصياد الماهر الذي أسعده الحظ بالوصول إلى جزيرة، وكله ثقة في شباكه التي ستهبه فرصة الوصول إلى الكنز الموعود، وعرفت الكثير والكثير..‬
‫أدركتُ أن لكل صامت قصة.. وخلف كل ابتسامة حكاية. منهم من ألجم الزمن لسانه بعواصفه وتقلباته، ومنهم من تحرر من كل شيءٍ وبقيت عُقدة قديمة ساكنة في أعماقه، لم يجرؤ على فك طلاسمها أحد.. ومنهم من قرر أن يحتفل وحيدًا بفتوحاته.. دون أن يدعو إلى حفلته متطفِل. عرفتُ أن خلف كل صامت حكاية طويلة.. من المعاناة والدموع، ذكرى مريرة.. تجربة تستحق أن تروى.. لكنه آثر الصمت عن البوح! خلف كل صامت، رأيٌ يخشى الكشف عنه، فكرة احتلته زمنًا ولم يتحرر من براثنها.. وحين انتفض خشي أن يُجاهر بمعصية الحرية على الملأ.. خلف كل صامت قصة حُب هدمته ولم تَبقِ منه سوى فتات.. أو ربما ذكرى فراق مريرة.. أو حكاية انكسارٍ لم يُجبر بعد من مصابها الجلل.. جرحٌ عميق.. يخشى أن ينكأه بشفتيه إذا ما نطق!!‬
‫خلف كل صامت، حكيم لا يظهر للعيان، حضر ليقرأ الملامح، ويكتشف سرًّا جديدًا من أسرار الحياة.. أو بحّار قديم، جاب العالم وملّ الحكايا والقصص.. أو ربما مسافر زادهُ المشقة والفراق، فلم يعد يشعر بقيمة الوجوه ولم يعد يفهم لغة الثرثرة.. خلف كل صامت زاهدٌ، أصابته الأيام بفقدان الذاكرة، أو ربما فيلسوفٌ أراد أن يصل إلى الحقيقة وحده.. بلا ضجة، أو بهرجة كاذبة.‬
‫خلف كل صامت.. مُناضل أدرك أن العمر رحلة قصيرة، أقصر من أن تضيع في ثرثرة واهية، يتسابق إليها البشر.. في سذاجة وسُخف!!‬
‫الصامتون لا يغيبون.. حاضرون دومًا، لهم لغتهم، لا يفهمها إلا من طرق بابهم، وتأمّل بواطنهم، ولامس قلوبهم.. حاضرون بكل جوارحهم، لكنهم قرروا أن يعيشوا في عالمهم، مزيج ما بين ماضٍ ومستقبل، فضاءٌ فسيح لا يشبههُ شيءٌ.. فآثروا أن ينصرفوا بعيدًا، بعد أن ملوا الهزائم.‬
‫نعم.. خلف كل صامت قصة وأمنية، وألف حكاية..‬
‫ثم تأملتُ ملامحي في المرآة.. وتساءلت..‬
‫ولماذا أنا صامتٌ إلا عن الكتابة!!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You cannot copy content of this page